الشركة السورية للاتصالات… من مؤسسة خدمية إلى عمود فقري للدولة الرقمية
مسؤول التحرير: محمد المعراج
الشركة السورية للاتصالات: كيف تتحول إلى عمود فقري للاقتصاد الرقمي في سوريا؟
عندما نتحدث عن الشركة السورية للاتصالات، فنحن لا نتحدث عن مؤسسة تقدم خطوطاً أرضية أو خدمات إنترنت فقط. نحن نتحدث عن واحدة من أهم البنى التحتية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، لأن الاتصالات اليوم هي الطريق الذي تمر عبره الإدارة، والتعليم، والصحة، والإعلام، والخدمات الحكومية، والتجارة، والأعمال.
لهذا السبب، فإن أي تغيير في قيادة الشركة لا يخص العاملين داخلها فقط، بل يخص المواطن، وقطاع الأعمال، والمؤسسات العامة، وكل مشروع يحتاج إلى اتصال مستقر وآمن. فالشركة تقف في نقطة اتصال مباشرة بين البنية التقنية وحياة الناس اليومية.
تعيين المهندس محمد كمال الفحل مديراً عاماً تنفيذياً للشركة يأتي في وقت تتحرك فيه ركائز البنية التحتية الوطنية نحو مرحلة جديدة. فمشروع سيلك لينك يُطرح كعمود فقري لشبكة الألياف الوطنية، بينما يبدأ برنامج بَرق نت بإيصال الألياف الضوئية إلى المنازل والمكاتب. وهذا يعني أن الشركة لم تعد مطالبة فقط بإدارة خدمة قائمة، بل بقيادة انتقال تدريجي نحو نموذج اتصالات أكثر سرعة واعتمادية.
الفرق بين مؤسسة اتصالات تقليدية ومؤسسة اتصالات تقود اقتصاداً رقمياً لا يظهر في عدد المشاريع المعلنة، بل في طريقة تحويل المشاريع إلى خدمة. المواطن لا يرى الكابل، ولا يتعامل مع مصطلحات البنية التحتية، لكنه يرى النتيجة: هل الإنترنت مستقر؟ هل العطل يُصلح بسرعة؟ هل الاشتراك واضح؟ هل مراكز الخدمة فعالة؟ هل الخدمة تصل إلى المنزل والعمل كما وُعد بها؟
من هنا، تبدو السورية للاتصالات أمام تحديين متوازيين. التحدي الأول تقني، ويتعلق بتطوير الشبكات، توسيع الألياف، تحديث التجهيزات، ورفع قدرة البنية على حمل الطلب المتزايد. أما التحدي الثاني فهو مؤسسي، ويتعلق بطريقة الإدارة، جودة البيانات، قياس الأداء، إدارة الشكاوى، والقدرة على التواصل مع المستخدم بشفافية.
في مرحلة الاقتصاد الرقمي، لا يمكن النظر إلى الشركة على أنها مزود خدمة فقط. هي شريك في تمكين الشركات، والمصارف، والمنصات التعليمية، والخدمات الصحية، والمشاريع الناشئة، والعمل عن بعد، والحكومة الإلكترونية. وكل ضعف في بنيتها ينعكس فوراً على قطاعات أخرى، وكل تحسن فيها يخلق أثراً مضاعفاً في السوق والحياة العامة.
لذلك، تحتاج السورية للاتصالات إلى خطاب جديد مع المواطن. الخطاب القديم يكتفي بالإعلان عن مشروع أو توسعة. أما الخطاب الجديد فيجب أن يشرح ماذا تغير فعلاً: كم منطقة دخلت الخدمة؟ ما زمن الاستجابة للأعطال؟ ما نسبة الإنجاز؟ ما الأولويات القادمة؟ وكيف ستُعالج الفجوة بين المدن والمناطق الأقل خدمة؟
وهنا تأتي أهمية الإدارة التنفيذية ذات الخلفية الهندسية. فالقائد التقني لا يكتفي بالسؤال عن الصورة العامة، بل يسأل عن السعة، المعمارية، مسارات الربط، جودة الخدمة، كلفة التشغيل، قابلية التوسع، ومرونة الشبكة. وهذه الأسئلة ليست تفاصيل داخلية، بل هي ما يصنع الفرق بين شبكة تُعلن وشبكة تعمل.
في قراءة أول بايت، مستقبل السورية للاتصالات يجب أن يُقاس بثلاثة مؤشرات كبرى: اتساع البنية، جودة الخدمة، وثقة المستخدم. فإذا تحقق الاتساع من دون جودة، بقي المشروع ناقصاً. وإذا تحققت الجودة من دون شفافية، بقيت الثقة هشة. وإذا غابت الثقة، فإن أي مشروع رقمي يفقد جزءاً من قيمته.
إن المرحلة الجديدة للشركة هي فرصة لإعادة تعريف دورها: من مؤسسة خدمية تقليدية إلى منصة وطنية للتمكين الرقمي. وهذا التحول لا يتحقق بالقرارات فقط، بل بإدارة يومية منضبطة تعرف أن كل عطل، وكل تأخير، وكل تجربة مستخدم سيئة، هي رسالة سلبية عن قدرة الدولة الرقمية. وفي المقابل، كل خدمة مستقرة وسريعة وواضحة هي خطوة في بناء ثقة جديدة.
مقالات ذات صلة:
الشركة السورية للاتصالات… من مؤسسة خدمية إلى عمود فقري للدولة الرقمية
رأي أول بايت… لا تكفي الألياف وحدها، الثقة هي البنية التحتية الأهم