حوكمة الذكاء الاصطناعي: العالم يكتب القواعد… أين يقف العرب؟
في جنيف، لا يُناقش الذكاء الاصطناعي هذه المرة كأداة تقنية جديدة، ولا كمنتج تستخدمه الشركات والمستخدمون، بل كقضية عالمية تحتاج إلى قواعد، توازنات، وضمانات.
فمع انعقاد أول جلسة من الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي يومي 6 و7 يوليو 2026، تدخل الأمم المتحدة رسمياً إلى قلب السؤال الأكثر حساسية في عصر الذكاء الاصطناعي: من يضع قواعد هذه التقنية؟ ومن يملك حق التأثير في مستقبلها؟
الحدث، الذي تستضيفه جنيف بالتزامن مع قمة AI for Good Global Summit، لا يبدو مجرد مؤتمر إضافي في جدول الفعاليات التقنية العالمية. أهميته تأتي من كونه منصة أممية تجمع الحكومات، القطاع الخاص، الأكاديميين، المجتمع المدني، والجهات التقنية، لمناقشة طريقة إدارة الذكاء الاصطناعي على مستوى دولي، في وقت تتسارع فيه قدراته وتأثيراته على الاقتصاد، التعليم، الصحة، الخدمات، الأمن، والحقوق الرقمية.
الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفاً تقنياً فقط
خلال السنوات الماضية، كان النقاش حول الذكاء الاصطناعي يدور غالباً حول قدراته: كيف يكتب؟ كيف يصمم؟ كيف يحلل البيانات؟ كيف يساعد الشركات على رفع الإنتاجية؟
لكن عام 2026 يضع العالم أمام مرحلة مختلفة. السؤال لم يعد: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل أصبح: من يراقبه؟ من يحدد مسؤولية الخطأ؟ من يحمي المستخدم؟ ومن يضمن ألا تتحول التقنية إلى أداة تزيد الفجوة بين الدول المتقدمة والدول التي ما زالت تبني بنيتها الرقمية؟
لهذا السبب، تبرز حوكمة الذكاء الاصطناعي كملف يتجاوز الشركات الكبرى ومختبرات الأبحاث. هي اليوم قضية سيادية وتنموية في الوقت نفسه. فالدولة التي لا تملك سياسة واضحة للذكاء الاصطناعي قد تجد نفسها لاحقاً أمام أدوات تؤثر في التعليم، التشخيص الطبي، الخدمات الحكومية، التوظيف، الإعلام، والبيانات الشخصية، من دون أن تكون طرفاً في صياغة قواعد استخدامها.
لماذا يهم هذا الحوار المنطقة العربية؟
بالنسبة للعالم العربي، لا تكمن أهمية الحدث في انعقاده فقط، بل في السؤال الذي يفرضه: هل ستكون الدول العربية مجرد سوق لاستهلاك أدوات الذكاء الاصطناعي، أم ستكون طرفاً في وضع المعايير والسياسات التي تحكم هذه الأدوات؟
الفرق بين الدورين كبير.
الاستخدام وحده يعني أن تعتمد المؤسسات والشركات والجامعات على نماذج وأنظمة صممت في بيئات قانونية وثقافية واقتصادية مختلفة. أما المشاركة في الحوكمة فتعني الدفاع عن احتياجات اللغة العربية، حماية الخصوصية، دعم البيانات المحلية، ضمان عدالة الوصول، وتحديد أولويات الاستخدام في التعليم والصحة والخدمات العامة والتنمية.
هذه النقطة تحديداً تجعل الحوار العالمي مهماً للدول العربية، ومنها سوريا. فالدول التي تمر بمرحلة إعادة بناء رقمي أو تحديث خدماتها العامة لا تحتاج فقط إلى شراء أدوات ذكاء اصطناعي، بل تحتاج إلى فهم قواعد اللعبة: كيف تُبنى السياسات؟ كيف تُدار البيانات؟ كيف تُستخدم الخوارزميات في الخدمة العامة؟ وما الحدود الأخلاقية والقانونية التي يجب ألا تتجاوزها الأنظمة الذكية؟
إذ ترتبط الحوكمة بشكل مباشر بمشاريع الحكومة الرقمية والخدمات الإلكترونية التي تعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي.
اقرأ المزيد حول: الحكومة الإلكترونية في سوريا
الفجوة ليست في التقنية فقط
واحد من المحاور الرئيسية في الحوار العالمي هو ما يُعرف بـ “فجوة الذكاء الاصطناعي”. وهذه الفجوة لا تعني فقط أن بعض الدول تمتلك نماذج متقدمة وأخرى لا تمتلكها. الفجوة أوسع من ذلك: بنية تحتية رقمية، مراكز بيانات، كفاءات بشرية، قوانين، مهارات، لغات، جودة بيانات، وقدرة على إدماج الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والخدمات.
في هذا السياق، تصبح المنطقة العربية أمام تحدٍ مزدوج. من جهة، هناك فرصة كبيرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات الحكومية، التعليم، الرعاية الصحية، الأعمال، الإعلام، والمدن الذكية. ومن جهة أخرى، هناك خطر أن تتحول هذه الفرصة إلى تبعية تقنية إذا بقيت الدول خارج نقاشات الحوكمة والمعايير.
فالقضية ليست أن نستخدم الذكاء الاصطناعي في كتابة النصوص أو أتمتة المهام فقط. القضية أن نمتلك القدرة على فهمه، تنظيمه، تدريسه، مراقبته، وتوجيهه بما يناسب مجتمعاتنا وأسواقنا.
كما أن توسع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يجعل حماية البيانات باستخدام تقنيات تشفير حديثة أكثر أهمية.
قد يهمك: التشفير المقاوم للحوسبة الكمية
سوريا والسؤال المؤجل
سورياً، تبدو المسألة أكثر حساسية. فالبلاد تحتاج إلى تحديث واسع في البنية الرقمية، الخدمات الحكومية، التعليم التقني، الاتصالات، وإدارة البيانات. وفي مثل هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون فرصة حقيقية لتجاوز بعض الفجوات، لكنه قد يكون أيضاً عبئاً إذا دخل بلا سياسات واضحة أو كوادر قادرة على إدارته.
السؤال السوري لا يجب أن يكون: متى نستخدم الذكاء الاصطناعي؟
بل: كيف نستخدمه؟ وفي أي قطاعات أولاً؟ ومن يضع الضوابط؟ وكيف نحمي البيانات؟ وكيف نمنع أن تتحول الأدوات الجاهزة إلى بديل عن بناء معرفة محلية؟
إن حضور النقاش العالمي حول الحوكمة مهم حتى للدول التي لا تملك حالياً شركات ذكاء اصطناعي كبرى. لأن القواعد التي تُكتب اليوم ستؤثر لاحقاً في طريقة استخدام التقنية داخل المدارس، المشافي، المصارف، الإعلام، المؤسسات الحكومية، والشركات الناشئة.
وهو ما يجعل نشر ثقافة الأمن السيبراني والوعي الرقمي في سوريا أولوية لا تقل أهمية عن تطوير البنية التقنية.
من الاستهلاك إلى المشاركة
الرسالة الأهم من حوار جنيف أن الذكاء الاصطناعي لن ينتظر أحداً. الدول التي لا تبني موقفاً واضحاً ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع قواعد يضعها الآخرون. أما الدول التي تبدأ مبكراً في صياغة سياساتها، تدريب كوادرها، وتحديد أولوياتها، فستملك فرصة أفضل لتحويل الذكاء الاصطناعي من أداة مستوردة إلى جزء من مشروع تنموي واقتصادي.
بالنسبة للعرب، المطلوب ليس منافسة الشركات الكبرى فوراً، بل بناء موقع فاعل في النقاش: سياسات وطنية، تشريعات مرنة، مراكز بحث، شراكات جامعية، دعم للغة العربية، وحضور في المنصات الدولية التي تناقش مستقبل الذكاء الاصطناعي.
فالعالم اليوم لا يكتب فقط برمجيات جديدة، بل يكتب قواعد القوة الرقمية القادمة.
والسؤال المفتوح أمام المنطقة العربية هو: هل سنقرأ هذه القواعد بعد صدورها، أم نشارك في كتابتها؟