أبرز المقالات, التحول الرقمي

النضج الرقمي يبدأ بمعرفة ما لا نحتاج إلى جمعه

التحول الرقمي

بقلم: معاذ عجان

استشاري الأعمال الرقمية والتسويق وتجربة المريض

حين تبدأ مؤسسة رحلة التحول الرقمي، غالباً ما تنشغل بسؤال: كيف نجمع بيانات أكثر؟

تضيف حقولاً إلى نماذج التسجيل، وتربط أنظمة جديدة، وتوسّع التقارير ولوحات المتابعة. ومع الوقت، تصبح لديها معلومات كثيرة عن العملاء والموظفين والعمليات، لكنها قد تتردد أمام سؤال بسيط: ما القرار الذي ساعدتنا هذه البيانات على اتخاذه؟

من وجهة نظري، هنا يبدأ النقاش الحقيقي حول النضج الرقمي. فقيمة البيانات ترتبط بوضوح الغرض منها، وقدرتنا على استخدامها، والمسؤولية التي نتحملها منذ لحظة جمعها حتى انتهاء الحاجة إليها.

المؤسسة الناضجة رقمياً تعرف لماذا تطلب المعلومة، ومن يحتاج إلى الاطلاع عليها، وكيف تحميها، ومتى يجب أن تتوقف عن الاحتفاظ بها.

كل حقل في النموذج يحتاج إلى مبرر

لنتخيل شخصاً يريد حجز موعد، فيجد أمامه نموذجاً يطلب اسمه ورقم هاتفه وبريده الإلكتروني وتاريخ ميلاده وعنوانه ومهنته، وربما معلومات إضافية لا يفهم علاقتها بطلبه.

قد يكون لكل معلومة استخدام محتمل، لكن الاستخدام المحتمل وحده لا يكفي لتبرير جمعها.

السؤال الذي يجب أن يسبق تصميم النموذج هو: ما الحد الكافي من المعلومات لإنجاز هذه الخدمة بشكل جيد؟

في بعض الحالات، قد يكفي الاسم ووسيلة التواصل والخدمة المطلوبة، ثم تُجمع معلومات إضافية لاحقاً عندما تصبح ضرورية. بهذه الطريقة، تُطلب المعلومة في سياق مفهوم، ويعرف الشخص سبب الحاجة إليها.

أرى أن مراجعة الحقول التي نطلبها من الناس جزء أساسي من تحسين تجربتهم. فكل سؤال إضافي يستهلك وقتاً وانتباهًا، ويضع على المؤسسة مسؤولية جديدة تجاه الإجابة التي ستحصل عليها.

البيانات مسؤولية تشغيلية

يسهل النظر إلى البيانات باعتبارها أصلاً تمتلكه المؤسسة. لكن امتلاكها يعني أيضاً تحمل أعباء إدارتها: تحديثها، والتحقق من دقتها، وتنظيم صلاحيات الوصول إليها، ومنع تداولها بطرق غير منضبطة.

قد تستثمر مؤسسة في نظام متقدم، بينما تظل قوائم العملاء محفوظة على أجهزة شخصية، ونسخ التقارير متداولة عبر مجموعات المحادثة، وصلاحيات الموظفين السابقين مفتوحة.

في هذه الحالة، تبدأ المشكلة من طريقة العمل اليومية.

الحماية تحتاج إلى قرارات إدارية واضحة بقدر حاجتها إلى أدوات تقنية. من يستطيع مشاهدة البيانات؟ ومن يستطيع تعديلها أو تصديرها؟ وما الذي يحدث للصلاحيات عندما يتغير دور الموظف أو يغادر المؤسسة؟

هذه أسئلة ينبغي أن تجد إجاباتها داخل التشغيل، وأن يعرف كل موظف ما يخص دوره منها.

في القطاع الصحي، تبدأ الثقة من التفاصيل الصغيرة

بحكم عملي في تجربة المريض، أرى أن التعامل مع المعلومات جزء من تجربة الرعاية نفسها.

قد يتقبل المريض تقديم معلومات حساسة عندما يفهم حاجتها للعلاج، لكنه قد يشعر بعدم الارتياح إذا طُلبت منه التفاصيل ذاتها لأغراض تسويقية، أو تداولها أشخاص لا يحتاجون إليها لأداء عملهم.

ولهذا، يجب أن يُصمم الوصول إلى المعلومات وفق طبيعة المهمة. موظف تأكيد المواعيد يحتاج إلى بيانات تساعده على التواصل وتنظيم الزيارة، بينما يحتاج الطبيب إلى معلومات مرتبطة بالتقييم والرعاية.

وإذا أرادت الإدارة قياس التأخير أو عدم الحضور، فقد تحقق غرضها من خلال مؤشرات إجمالية دون إظهار أسماء المرضى وتفاصيلهم في كل تقرير.

التصميم الجيد يضع المعلومات المناسبة أمام الشخص المناسب، بالقدر الذي تتطلبه مسؤوليته.

متى نحذف ما جمعناه؟

هذا السؤال يتأخر كثيراً داخل المؤسسات.

نتحدث عن جمع البيانات وتخزينها وتحليلها، بينما يستمر الاحتفاظ بها لأن أحداً لم يحدد نهاية واضحة لحياتها. تتراكم ملفات قديمة وقوائم مكررة ونسخ تجريبية، وتبقى متاحة حتى بعد انتهاء الغرض الذي أُنشئت من أجله.

الحذف المنظم يحتاج إلى سياسة تراعي نوع البيانات، والحاجة التشغيلية إليها، والالتزامات النظامية والتعاقدية ذات الصلة. وبعض السجلات تتطلب الاحتفاظ بها لمدد محددة، لذلك يجب أن يكون القرار مدروساً ومحدداً بالمسؤوليات.

وجود سياسة واضحة للاحتفاظ والحذف يعكس قدرة المؤسسة على إدارة دورة حياة المعلومة كاملة، بما فيها النسخ المصدّرة والملفات المتداولة خارج النظام الأساسي.

الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى هذا الانضباط أيضاً

مع التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح رفع ملف أو نسخ محادثة إلى أداة خارجية إجراءً يومياً سهلاً.

لكن سهولة الإجراء تستدعي وضوحاً أكبر: هل نحتاج إلى رفع الملف كاملاً؟ هل يمكن إزالة الأسماء والتفاصيل التي تكشف هوية الأشخاص؟ هل الأداة معتمدة لهذا الاستخدام؟ وهل يفهم الموظف ما الذي يشاركه؟

أحياناً، يمكن إنجاز المهمة بعينة محدودة أو ببيانات مجمّعة. تحديد ذلك مسبقاً يساعد الفريق على الاستفادة من التقنية ضمن ممارسة واضحة ومسؤولة.

سؤال يستحق أن يسبق الاستثمار

قبل إضافة منصة جديدة أو توسيع نموذج تسجيل، أقترح أن تتوقف الإدارة عند خمسة أسئلة:

– ما الغرض المحدد من جمع هذه البيانات؟

– هل يمكن تحقيقه بمعلومات أقل؟

– من يحتاج إلى الوصول إليها؟

– كيف سنحميها ونحافظ على دقتها؟

– متى تنتهي حاجتنا إليها، وما الإجراء بعدها؟

قد تكشف هذه الأسئلة أن المؤسسة تحتاج إلى تبسيط ما لديها قبل شراء المزيد.

فالتحول الرقمي يُقاس أيضاً بقدرتنا على اتخاذ قرارات أوضح، وتقديم خدمة أسهل، وصون ثقة الناس الذين يشاركوننا معلوماتهم.

وحين يعرف الفريق لماذا يجمع المعلومة ومتى يستغني عنها، تكون المؤسسة قد خطت خطوة حقيقية نحو النضج الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *