الأخبار التقنية, أخبار التكنولوجيا, تكنولوجيا

من يربح في عصر الوكلاء؟ شركات التطبيقات أم شركات البنية التحتية؟

بقلم: محمد المعراج – فريق التحرير | أول بايت

لم تعد المنافسة في قطاع التقنية تدور حول التطبيق الأفضل فقط.

لسنوات طويلة، كان السؤال الأهم في الاقتصاد الرقمي هو: من يملك التطبيق الذي يفتحه المستخدم كل يوم؟ من يملك الأيقونة الموجودة على الشاشة الأولى؟ ومن يستطيع أن يحافظ على المستخدم داخل واجهته لأطول وقت ممكن؟

هذا السؤال صنع شركات عملاقة. تطبيقات التواصل، النقل، التوصيل، الإنتاجية، التجارة الإلكترونية، البث، والخدمات المالية، كلها قامت على فكرة واحدة: أن يكون التطبيق هو نقطة البداية بين المستخدم والخدمة.

لكن صعود الوكلاء المستقلين يغيّر هذه المعادلة.

في عصر التطبيقات، كان المستخدم يفتح التطبيق ليطلب الخدمة.
في عصر الوكلاء، قد يطلب المستخدم النتيجة مباشرة، بينما يتولى الوكيل الذكي اختيار الطريق، والتعامل مع الخدمات، وتنفيذ الخطوات في الخلفية.

بدلاً من أن يفتح الموظف البريد، ثم التقويم، ثم برنامج الاجتماعات، ثم جدول البيانات، ثم منصة إدارة المهام، يمكنه أن يطلب من الوكيل:
«راجع رسائل اليوم، استخرج المهم منها، رتّب اجتماعاتي، وجهّز تقرير المبيعات قبل الساعة الثانية».

في هذه اللحظة، لا يعود التطبيق هو الواجهة الأساسية.
الواجهة تصبح الوكيل.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
من سيربح في هذا العصر الجديد؟ شركات التطبيقات التي بنت علاقتها المباشرة مع المستخدم؟ أم شركات البنية التحتية التي تملك الشرائح، السحابة، أنظمة التشغيل، مراكز البيانات، والقدرة على تشغيل هؤلاء الوكلاء؟

حين كان التطبيق هو الملك

منذ إطلاق الهواتف الذكية، أصبحت التطبيقات هي اللغة اليومية للحياة الرقمية.

لكل مهمة تطبيق.
تطبيق للمحادثة.
تطبيق للبريد.
تطبيق للخرائط.
تطبيق للعمل.
تطبيق للشراء.
تطبيق للمواعيد.
وتطبيق لإدارة بقية التطبيقات تقريباً.

هذا النموذج منح شركات التطبيقات قوة هائلة؛ لأنها لم تكن تقدم خدمة فقط، بل كانت تملك لحظة الوصول إلى المستخدم.

من يملك الواجهة، يملك الانتباه.
ومن يملك الانتباه، يملك البيانات.
ومن يملك البيانات، يملك القدرة على البيع، الإعلان، التوصية، والتأثير في القرار.

لكن المشكلة أن هذا النموذج وصل إلى مرحلة من التضخم.

المستخدم لم يعد يعاني من نقص التطبيقات، بل من كثرتها.
والموظف لم يعد يحتاج أداة جديدة بقدر ما يحتاج طبقة تختصر عليه التنقل بين الأدوات.
والشركة لم تعد تبحث فقط عن برنامج إضافي، بل عن نظام يفهم العمل وينسّق بين البيانات والفرق والمهام.

هنا يظهر الوكيل المستقل بوصفه طبقة جديدة فوق التطبيقات.

الوكيل لا يلغي التطبيق… لكنه يغيّر موقعه

من الخطأ القول إن التطبيقات ستختفي غداً.
لكن من الواقعي القول إن مكانها في التجربة الرقمية سيتغير.

الوكيل الذكي لا يأتي دائماً كتطبيق منفصل.
هو يعمل كطبقة تنفيذ وتنسيق. يفهم ما يريده المستخدم، يقرأ السياق، يتعامل مع أكثر من خدمة، ويقدّم النتيجة النهائية دون أن يضطر الإنسان إلى المرور بكل خطوة يدوياً.

في هذا النموذج، قد يبقى التطبيق موجوداً، لكنه يصبح أقل ظهوراً.
قد يتحول من واجهة يستخدمها الإنسان مباشرة، إلى خدمة يتعامل معها الوكيل في الخلفية.

وهذا تحوّل كبير.

لأن كثيراً من شركات التطبيقات بنت قوتها على الواجهة: شكل التطبيق، وقت الاستخدام، التنبيهات، الإعلانات، النقرات، والاحتفاظ بالمستخدم داخل النظام.

أما عندما يصبح الوكيل هو الواجهة، فإن المستخدم قد لا يرى التطبيق أصلاً.
وقد لا يدخل إلى شاشاته.
وقد لا يتعرض لإعلاناته.
وقد لا يعرف حتى أن جزءاً من المهمة نُفّذ عبره.

عندها تنتقل القيمة من «من يملك التطبيق؟» إلى «من يملك الطريق الذي يسلكه الوكيل؟».

من يملك الوكيل يملك القرار

في الاقتصاد الرقمي، نقطة البداية هي نقطة القوة.

في عصر محركات البحث، كانت الشركات تتنافس على الظهور في النتائج الأولى.
في عصر المنصات الاجتماعية، صارت تتنافس على الظهور في الخلاصات.
في عصر التطبيقات، صار الهدف أن تكون موجوداً على شاشة المستخدم.

أما في عصر الوكلاء، فقد تصبح المنافسة على أن تكون الخدمة التي يختارها الوكيل.

إذا قال المستخدم:
«احجز لي أفضل فندق قريب من مكان المؤتمر»،
فمن يحدد معنى «الأفضل»؟
ومن يرتب الخيارات؟
ومن يقرر أي منصة حجز يستعملها؟
ومن يستبعد الخيارات غير المناسبة؟

وإذا قال مدير في شركة:
«رشّح لي أفضل مزود خدمة لهذا المشروع»،
فمن يراجع البيانات؟
ومن يقارن العروض؟
ومن يقرر ما الذي يستحق أن يصل إلى طاولة القرار؟

هذه الأسئلة تفتح اقتصاداً جديداً.
الشركات لن تتنافس فقط على إقناع الإنسان، بل على أن تكون مفهومة وموثوقة وقابلة للتنفيذ من قبل الوكلاء.

وهذا يعني أن تحسين الظهور في محركات البحث قد لا يكون كافياً في المستقبل.
سنرى شكلاً جديداً من المنافسة: تحسين الظهور أمام الوكلاء الذكية.

شركات التطبيقات أمام امتحان صعب

شركات التطبيقات ليست خارج اللعبة

بعضها قد يربح أكثر في عصر الوكلاء، بشرط أن يعيد تعريف نفسه.

الشركات التي تملك بيانات فريدة، وخدمات قوية، وواجهات برمجية مرنة، وتكاملاً آمناً مع الأنظمة الأخرى، ستكون قادرة على البقاء داخل سلسلة التنفيذ.

أما التطبيقات المغلقة، التي تعتمد فقط على إبقاء المستخدم داخل واجهتها، فقد تواجه ضغطاً كبيراً.

في عصر الوكلاء، القيمة لن تكون في جمال الواجهة وحده.
القيمة ستكون في قدرة الخدمة على أن تقول للوكيل:
أنا موثوقة.
بياناتي منظمة.
صلاحياتي واضحة.
تكاملي آمن.
ونتائجي قابلة للاعتماد.

التطبيق الذي لا يستطيع أن يعمل ضمن هذا المنطق سيصبح جزيرة معزولة.
والجزر المعزولة لا تعيش طويلاً في اقتصاد قائم على التكامل.

البنية التحتية تصعد إلى الواجهة

بينما تخشى بعض شركات التطبيقات فقدان موقعها أمام المستخدم، تبدو شركات البنية التحتية في موقع أكثر قوة.

الوكلاء المستقلون لا يعملون في الفراغ.
هم يحتاجون إلى نماذج ذكاء اصطناعي، شرائح متقدمة، مراكز بيانات، سحابة، شبكات، أنظمة هوية، طبقات أمان، وأدوات حوكمة.

كلما ازداد الاعتماد على الوكلاء، ازداد الطلب على هذه الطبقات غير المرئية.

المستخدم قد لا يعرف أين يعمل الوكيل، ولا ما نوع المعالج الذي يشغله، ولا أي مركز بيانات يعالج الطلب.
لكن الشركات التي تملك هذه الطبقات ستكون في قلب السوق الجديد.

لذلك لم تعد أخبار الشرائح ومراكز البيانات أخباراً تقنية متخصصة فقط.
أصبحت أخباراً اقتصادية واستراتيجية، لأنها تمثل الوقود الذي سيشغّل المرحلة القادمة من الذكاء الاصطناعي.

إذا كان التطبيق هو واجهة الاقتصاد الرقمي في العقد الماضي، فإن الحوسبة قد تصبح مورده الأهم في العقد القادم.

NVIDIA مثال على التحول

توضح NVIDIA هذا التحول بوضوح.

الشركة التي عرفها كثيرون من بوابة الرسوميات والألعاب، أصبحت اليوم واحدة من أعمدة اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
ليس لأنها تملك تطبيقاً يستخدمه الجميع، بل لأنها تملك جزءاً أساسياً من البنية التي يحتاجها الجميع.

النماذج تحتاج إلى تدريب وتشغيل.
الوكلاء يحتاجون إلى قدرة معالجة.
المؤسسات تحتاج إلى بنية قادرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي محلياً أو عبر السحابة.
وهذا يجعل الشرائح المتقدمة في قلب المنافسة.

الأهم أن الحوسبة لم تعد محصورة في مراكز البيانات البعيدة. هناك اتجاه متزايد نحو تشغيل جزء من الذكاء الاصطناعي على الأجهزة نفسها: الحواسيب الشخصية، محطات العمل، الأجهزة المكتبية، وربما الأجهزة القابلة للارتداء.

أي أن البنية التحتية تنتقل من السحابة وحدها إلى الحافة أيضاً.
من مركز البيانات إلى مكتب الموظف.
ومن الخادم البعيد إلى الجهاز القريب من الإنسان.

Microsoft لا تريد أن تكون مجرد صاحبة تطبيقات

ما أعلنته Microsoft في Project Solara يعطي مؤشراً واضحاً على هذا التحول.

الشركة لا تضيف الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقاتها فقط.
هي تختبر نموذجاً جديداً لأجهزة تتمحور حول الوكلاء، لا حول التطبيقات التقليدية.

الفكرة ليست أن يفتح المستخدم برنامجاً، بل أن يتفاعل مع جهاز أو وكيل يفهم السياق، يتعامل مع أكثر من خدمة، ويساعده في إنجاز العمل دون التنقل بين طبقات كثيرة من الواجهات.

اللافت أن Project Solara مبني على منصة Microsoft Device Ecosystem Platform المستندة إلى Android Open Source Project، لا على Windows التقليدي. وهذا لا يعني نهاية Windows، بل يعني أن Microsoft ترى أن مستقبل الحوسبة لن يكون محصوراً في الحاسوب الشخصي وحده.

هناك حواسيب قوية مهيأة للوكلاء.
وهناك أجهزة صغيرة ومحيطية تعمل دائماً.
وهناك طبقات ذكاء اصطناعي تمتد بين السحابة والجهاز والمستخدم.

بهذا المعنى، لا تريد Microsoft أن تربح من التطبيق فقط، بل من النظام الذي يجعل الوكلاء ممكنين داخل المؤسسات.

أخبار ذات صلة: Microsoft تكشف Project Solara: هل بدأ فعلاً عصر ما بعد التطبيقات؟

Google وSpaceX: الحوسبة تصبح مورداً استراتيجياً

الخبر المتعلق باتفاق Google وSpaceX على قدرات حوسبة ضخمة يعكس جانباً آخر من المشهد.

عندما تدفع شركة بحجم Google مبالغ شهرية هائلة للحصول على قدرة حوسبة مدعومة بشرائح NVIDIA، فهذا يعني أن الحوسبة لم تعد مجرد بند تقني في الميزانية.
إنها أصل استراتيجي.

الشركات التي تطور نماذج الذكاء الاصطناعي وتخدم ملايين أو مليارات المستخدمين تحتاج إلى قدرة تشغيل مستمرة.
ومع صعود الوكلاء، سيزداد الطلب على هذه القدرة أكثر، لأن الوكيل لا يجيب فقط؛ بل يقرأ، يقرر، ينفذ، يتابع، ويتعامل مع أنظمة متعددة.

هنا تصبح البنية التحتية ساحة معركة.
من يملك مراكز البيانات؟
من يملك الشرائح؟
من يملك الطاقة؟
من يملك الاتصال؟
ومن يستطيع توفير هذه القدرة بسرعة وبكلفة قابلة للاستمرار؟

قد تبدو هذه أسئلة بعيدة عن المستخدم العادي، لكنها ستحدد شكل الخدمات التي سيستخدمها، وسرعتها، وتكلفتها، وربما حتى الشركات التي ستبقى في السوق.

اقرأ أكثر: من الواجهة إلى البنية التحتية: لماذا تتحرك Microsoft وGoogle وSpaceX نحو نفس المستقبل؟

الرابحون والخاسرون

في عصر الوكلاء، الرابح الأول سيكون من يملك العلاقة الجديدة مع المستخدم: طبقة الوكيل.

الرابح الثاني سيكون من يملك البنية العميقة التي تشغل هذه الطبقة: الشرائح، السحابة، النماذج، مراكز البيانات، وأنظمة الأمان والهوية.

الرابح الثالث سيكون التطبيقات القادرة على التحول من واجهات مغلقة إلى خدمات مرنة قابلة للتكامل مع الوكلاء.

أما الخاسر المحتمل فهو التطبيق الذي يظن أن مكانه على شاشة المستخدم سيبقى مضموناً إلى الأبد.

التاريخ التقني لا يدعم هذا الاطمئنان.
الشركات التي امتلكت الواجهة في مرحلة ما خسرتها عندما تغيرت طريقة الوصول: من سطح المكتب إلى المتصفح، ومن المتصفح إلى الهاتف، ومن الهاتف إلى المنصات، واليوم ربما من التطبيقات إلى الوكلاء.

هذا لا يعني أن التطبيقات ستنتهي فوراً.
لكنها لن تبقى بالضرورة مركز التجربة الرقمية.

التطبيق سيبقى مهماً عندما يملك خدمة حقيقية، وبيانات موثوقة، وتكاملاً عميقاً.
لكنه سيفقد جزءاً من قوته إذا أصبح مجرد واجهة لا يحتاج المستخدم إلى فتحها.

في المرحلة القادمة، قد لا يكون الفوز لمن يظهر أكثر أمام المستخدم.
بل لمن يعمل في الخلفية بذكاء، ويمر من خلاله الوكيل لإنجاز المهمة.

في عصر التطبيقات، كانت المعركة على الأيقونة.
في عصر الوكلاء، ستكون المعركة على البنية والطريق والقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *